عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

476

معارج التفكر ودقائق التدبر

كذا » أي : اعتدل واستقام فوقه ، ويقال : « استوى إلى فعل كذا » أي : اعتدل واستقام متوجّها لفعله قاصدا إليه ، لا يلوي على شيء آخر . وأحسن بيان حول الاستواء الّذي وصف اللّه به نفسه ما قاله الإمام مالك : « الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسّؤال عنه بدعة » . ووصف السّماء بأنّها دخان قد يكون المراد به أنّها غازات منبثّة في الفراغ الكوني ، فهي كما يعلم الناس إبّان التّنزيل عن الدّخان ، فأطلق عليها أنّها دخان من قبيل تعميم اللّفظ على الدّخان الّذي يتصاعد عن النّار وينبثّ في الفراغ الكوني ، وكانت حينئذ سماء واحدة متّصلة الغازات ، غير مقسّمة إلى سبع سماوات . * فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ : إذا حملنا هذا البيان على ظاهره ، ففيه دلالة على أنّ اللّه عزّ وجلّ جعل في السّماء والأرض قدرات فهم وإجابة كما لأهل العلم والنّطق والإرادة ، فأجابتا إجابة أهل العلم والنّطق حينئذ . وإذا حملنا هذا البيان على أنّه من قبيل الاستعارة القائمة على التشبيه ، ففيه دلالة على أنّ أمر التّكوين الجبريّ للأشياء التي ليس لها علم ولا حياة ولا إرادة ، ينفذ فيها وهي طائعة غير كارهة لما يجري فيها ، بخلاف الأحياء ذوي الإرادة والعلم والأحاسيس ، فإنّ أمر التكوين قد ينفذ فيهم وهم كارهون ، كمن ينفذ فيهم أمر التّكوين بإيلامهم ، وتعذيبهم . والمراد بإتيان السّماء والأرض ، حضورهما لتحديد موقع الأرض ، وموقع كلّ جزء من أجزاء السّماوات السّبع في موقعه من الكون الفسيح ، بعد أن قدّر اللّه لكلّ جزء موقعه وقضاه . قول اللّه تعالى متابعا التعليم الدّعويّ بشأن خلق الأرض والسّماوات :